شكيب أرسلان
215
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية
أعداء اللّه القصبة ، فملكوها ، وخلصت طائفة منهم إلى محل منيع بهذه القصبة ، فساورهم أولياء اللّه بذروة ذلك المحل ، فأيقنوا بالهلاك ، وسألوا النزول على حكم الحاجب فأنزلهم ، وحكم فيهم بحكم ابن عمه سعد بن معاذ ، رضى اللّه عنه ، فقتل جميعهم ، وملك الحصن ، وحاز العنائم . وعهد الحاجب إلى المسلمين ألا يحرقوا منزلا ، ولا يهدموا بناء ، بما ذهب اليه من أسكان المسلمين هناك ، فشرع للوقت في إصلاح الحصن ، ونادى في المسلمين : من أراد الاثبات في الديوان بدينارين في الشهر ، على أن يستوطن في هذا الحصن ، فعل ، وله مع ذلك المنزل والمحرث . فرغب في ذلك خلق عظيم ، واستقروا به في حينهم . ولما استكمل الحاجب ما أراده من أمر هذا الحصن ، وأفام كلمة الاسلام منه بأرض لم تر الاسلام قط ، رحل عنه إلى بسيط برشلونة ، فدوّخ بلاد الكفرة ، وانبسط المسلمون في عرصاتهم ، يحرقون ويهدمون ، وانبسطت خيل المغيرة في أرضهم إلى أن أتى بسيطا كثير العمارة ، فاحتلوه ، وعمّوا جميعه ، ووقعوا على كثير من عيال الجالية من هذه الحصون ، فردوهم سبيا إلى المحلة ، وأبلغوا في النكاية ، وأحرزوا الأجر الجزيل . وعيّد الحاجب والعسكر عيد الفطر بأرض برسلونه ، فإنه رحل يوم عيد الفطر غرة شوال من السنة المؤرخة ، فأدركه وقت صلاة العيد وهم سائرون ، فنزلوا للصلاة . ولما قضى الحاجب صلاته ، تبوأ بمصلاه مقعدا ، لتهنئته بما سنّى اللّه له من التعييد في سبيل جهاده ، فتقدم إليه أكابر الناس على مراتبهم ، ثم ركب فرسه ، فتقدم إليه طبقات الأجناد ، مبتهلين بالدعاء له ، وسار العسكر ، ونزل بالبطحاء ، ثم رحل من منزل إلى منزل ، فعم ذلك كله غارة وانتسافا . قال حيان بن خلف : ورأى الحاجب عبد الملك أن قد بلغ الغاية من التدويخ لأرض العدو ، فرحل بالعسكر منكفئا نحو أرض الاسلام ، وأمر كاتب الرسائل احمد